خليل الصفدي

286

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وقال عبد اللّه بن صالح الهاشمي : حدّثني من أثق به ، قال : رأيت أبا نواس في النّوم ، وهو في نعمة كبيرة ، فقلت له : أبا نواس . ! قال : نعم . قلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي ، وأعطاني هذه النّعمة . قلت : وممّ ذاك وأنت كنت مخلّطا ؟ فقال : إليك عنّي ، جاء بعض الصالحين إلى المقابر في ليلة من اللّيالي ، فبسط رداءه ، وصفّ قدميه ، وصلى ركعتين لأهل المقابر ، قرأ فيهما ألفي مرّة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ « 1 » وجعل ثوابها لأهل المقابر ؛ فغفر اللّه لأهل المقابر عن آخرهم ، فدخلت أنا في جملتهم . قال أبو عبيدة « 2 » : أبو نواس للمحدثين كامرئ القيس للأوّلين ، هو الذي فتح لهم هذه الطّرق في الفطن ، ودلّهم على هذه المعاني . وقال أبو هفان « 3 » : « إنّما أفسد شعر أبي نواس ، / المنحولات ، لأنها خلطت بشعره ، ونسبت إليه ، فأما ما يعرف من خالص شعره رواية ، فإنه أحكم شعر ، وأتقنه في معانيه وفنونه . وقال النظّام : كأنما كشف لأبي نواس عن معاني الشعر ، فقال أجوده ، واختار أحسنه . قلت : أما قصائده فطنّانة رنّانة ، وأما بعض المقاطيع التي تقع له ، وغالبها في المجون ، فهي منحطّة عن طبقته ، وأراه كان بكر الزمان في المجون وخفّة الرّوح ، وقد انفتح للناس باب لم يعهدوه ، فكانوا إذا اجتمعوا في مجلس شراب ، وقد أخذت منه الخمر ، اقترحوا عليه شيئا ، أو قال هو شيئا ، مشى به الحال في ذلك الوقت ، فيخرج غير منقّح ولا منقى ، لم تنضجه الرويّة ، ولا هذّبه التفكّر ، لقلّة مبالاته به ؛ فيدوّن عنه ويحفظ ويروى . فهذا هو السبب الذي أراه في انحلال بعض شعره . وقيل إنه كان ليلة نائما إلى جانب « والبة بن الحباب » فانتبه فرآه وقد انكشف استه وهي بيضاء حمراء ، فما تمالك أن قبلها ، فلما دنا منها ، أجابه بضرطة هائلة ،

--> ( 1 ) سورة الإخلاص 112 / 1 ( 2 ) هذا الخبر مروي عن أبي عبيدة في تاريخ بغداد 7 / 437 ( 3 ) ليس في كتابه : أخبار أبي نواس .